الشيخ محمد رشيد رضا

173

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وألفاظا معينة كلفظ أشهد ولفظ هذا أو المذكور وتبيين النقد وذكر البلد الذي ضرب فيه وان كان ذلك مفهوما من الكلام لا يختلف في فهمه القاضي ولا الخصم ، فهذه الاصطلاحات كثيرا ما تحول دون العدل إذ ترد الدعوى من أصلها أو الشهادة لعدم موافقتها للألفاظ المصطلح عليها وان أدت معناها ، وكذلك كل ما يحول بين الناس وفهم الشريعة يكون من أسباب إضاعة العدل ولا عذر للناس بالجهل إذ يجب عليهم فهم الشريعة وإزالة كل ما يحول دون فهمها من الاصطلاحات ولو كنا نقيم العدل لما كنا في هذه الحالة من الضعف وسوء الحال ثم قال الأستاذ في درس آخر انه اطلع بعد الدرس الأول ( الذي لخصناه بما رأيت ) على كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية فإذا هو كله مبني على هذه الآية فإنه توسع في ذكر أنواع الأمانة التي أودعها اللّه في أيدي الحكام ومنها أن لا يولوا الأمور إلا خيار الناس الصالحين لها وأورد في ذلك أحاديث كثيرة منها الحديث المشهور ( أي برواية البخاري له ) « إذا وسد الامر إلى غير أهله فانتظروا الساعة » أي ساعة قيامة الأمة وهلاكها لان لكل أمة ساعة أي وقتا تهلك فيه أو يذهب استقلالها أقول إن معنى الآية لم يتجل تمام التجلي فيما ذكرناه فلا بد من زيادة البيان ونفصله في مسائل ( المسألة الأولى في معنى الأمانة ) الأمانة ما يؤمن عليه الانسان من الامن وهو طمأنينة النفس وعدم الخوف ، يقال أمنته ( كسمعته ) على الشيء « هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ » ويقال أمنه بكذا « وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ » ويقال ائتمن فلانا أي عده أو اتخذه أمينا وائتمنه على الشيء كأمنه عليه « فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ » وكل أمانة يجب حفظها ومنها ما يحفظ فقط كالسرو في الحديث المرفوع « إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهو أمانة » رواه أحمد وأبو داود والترمذي والضياء عن جابر وأبو يعلى في مسنده عن أنس وأشار السيوطي في الجامع الصغير إلى صحته ، ومنه يعلم أن كل ما يدل على الائتمان من قول وعمل وعرف وقرينة يجب اعتباره والعمل به وتقدم تصريح الأستاذ الامام بذلك ، ومنها ( أي الأمانة ) يحفظ ليؤدى إلى صاحبه سواء كان هو الذي ائتمنك عليه أو غيره لأجله ، ويسمى